أبي منصور الماتريدي

304

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أحدهما : أن يدعه ولا يمنعه عن العود إلى مأمنه ؛ ليعلم أن حكم تلك الدار لم يزل عنه ، وأنه لا تلزم الجزية « 1 » إلا عن طوع أو دلالة عليه . والثاني : أن يكون عليه حفظه إلى أن يبلغه مأمنه بدفع المسلمين عنه « 2 » ، وفي ذلك لزوم حق الأمان الجميع بإجارة [ بعض ] « 3 » ، وعلى ذلك كل مسلم . ثم سماع كلام الله يخرج على القرآن ، وفيه ما ذكرت من الدلالة ، وعلى سماع أوامر الله ونواهيه في حق الفرض عليه ، وعلى سماع حجج النبوة وآيات الرسالة والتوحيد من القرآن ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ . أي : ما لهم وما عليهم . ويحتمل نفي العلم : بما لم ينتفعوا بما علموا . ويحتمل ذلك تعليم [ من ] « 4 » مع رسول الله كيفية معاملة الكفرة ؛ إذ هم لم يكونوا يعلمون من قبل ، والله أعلم . ثم قوله - عزّ وجل - : كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ . هو - والله أعلم - أن كيف يستحقون العهد ، وكيف يعطى لهم العهد ، وقد نقضوا العهود التي بينهم وبين ربهم وبين رسول الله ؟ ! فأما « 5 » العهود التي بينهم وبين ربهم فهي عهد الخلقة ؛ إذ في خلقة كل أحد الشهادة على وحدانية الله وألوهيته ، والشهادة على الرسالة . وما عهد إليهم في كتبهم من إظهار صفة محمد ونعته للخلق ، فنقضوا ذلك كله ونقضوا العهود التي بينهم وبين رسول الله ولم يحفظوها ؛ يقول - والله أعلم - : كيف يستحقون أن يعطى العهد لهم ، وقد نقضوا العهد الذي عهد الله إليهم والعهود التي أعطاهم رسول الله ؟ ! لا يستحقون ذلك ، إلا أن الله - عزّ وجل - بفضله وإحسانه أذن أن يعطي لهم العهود : فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ، أي : أوفوا لهم العهد إذا أوفوا لكم وإن انقضت المدة ؛ يقول - والله أعلم - : إذا استقاموا لكم في وفاء العهد ، فاستقيموا لهم في وفائه ، وإن انقضت المدة .

--> ( 1 ) في أ : الخبرية . ( 2 ) في ب : منه . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) في أ : و .